الرئيسية / اصدارات / أ.د. العلامة المرحوم حامد عبد الله ربيع عبد الجليل تخليدا لذكراه من تلميذه الأستاذ الدكتور/ كمال محمد الأسطل

أ.د. العلامة المرحوم حامد عبد الله ربيع عبد الجليل تخليدا لذكراه من تلميذه الأستاذ الدكتور/ كمال محمد الأسطل

تخليدا لذكرى العالم والعلامة الجليل الأستاذ الدكتور المرحوم حامد عبد الله ربيع عبد الجليل

من تلميذه الأستاذ الدكتور/ كمال محمد الأسطل

بسم الله الرحمن الرحيم
كثير منا لا يعرف هذا الرجل وربما لم يسمع به قبل الآن! إلا أنه رحمه الله يعد من عبقريات الفكر الإسلامي!
وحتى نعرف القارئ به نقدم أولا موجزا سريعا لسيرته الذاتية 

الكاتب: مصطفى عاشور , المصدر: ببليو إسلام

النشأة العلمية

ولد حامد عبد الله ربيع بالقاهرة في ذي القعدة 1343هـ/إبريل 1925م، وبعد أن أنهى تعليمه الثانوي التحق بكلية الحقوق جامعة القاهرة وتخرج فيها سنة 1364هـ/1945م، ثم التحق بسلك النيابة، لكنه لم يستمر فيه طويلا؛ حيث كان مغرمًا بالعلم، ويحكي عن نفسه أنه التقى في شبابه الباكر بالشيخ حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، وأن الشيخ رأى علامات النبوغ والنجابة ترتسم على وجهه فقال له: “اذهب يا بني وأكمل ثقافتك وانهل من مصادر العلم فنحن في حاجة إلى أمثالك”. 
التحق بالعمل الأكاديمي في جامعة الإسكندرية التي ابتعثته إلى الخارج للدراسة، فذهب إلى إيطاليا في جمادى الآخرة 1367هـ/إبريل 1948م وظل معتكفا في دير سان فرانسيسكو عشر سنوات، حيث عايش الرهبان، وتأثر بهم في الانقطاع الكامل والمجرد للعلم وتكريس الحياة لهدف معين، وكفلت له السنوات العشر التي قضاها في ذلك الدير وفي هذا المناخ الذي تجللته روحانيات مجردة أن يتقن اللغة اللاتينية، وأن يقترب بدرجة كبيرة من الحضارة الغربية المسيحية، وأن يعقد مقارنات بين حضارته وحضارة الآخر، وأن يميز نقاط الضعف والقوة في كلتا الحضارتين، وأدرك حقيقة مهمة العالم الكفاحية المتمثلة في إرشاد أمته وترقيتها من حالات التخلف إلى الرقي والحضارة والتمدن. 
ولم ينبهر الرجل بالحضارة الغربية انبهارا يمنعه من أن يكتشف جوهر الإسلام وحضارته، وأن يضع يده على الإطار القيمي المحدد للحركة السياسية في الحضارة الإسلامية فكرًا وممارسة، حيث لم ينكفئ على ذاته ويرفض أي انفتاح على الآخر، كما أنه لم يستلب ثقافيا وحضاريا كما حدث للكثيرين ممن ذهبوا للخارج في تلك الفترة للدراسة. قوّت معايشة حامد ربيع الطويلة للحضارة الغربية حنينه لحضارته الإسلامية في عصر إشراقها وقوتها. 

حامد ربيع..ريادة علمية

حصل حامد ربيع في مسيرته العلمية الطويلة على خمس رسائل دكتوراه اثنتين من باريس، وثلاث من روما، وست دبلومات في تخصصات مختلفة، حيث حصل على الدكتوراه في علم الاجتماع التاريخي مع التخصص في مجتمعات البحر المتوسط، من جامعة روما في صفر 1370هـ/نوفمبر 1950م، ونال الدرجة نفسها في فلسفة القانون مع التخصص في النظرية الاجتماعية بعد عدة أشهر في ربيع الآخر 1370هـ/يناير 1951م. وحصل على درجة الدكتوراه في العلوم النقابية مع التخصص في اقتصاديات العمل في شوال 1373هـ/يونيو 1954م، كما حصل على درجة الأستاذية في القانون الروماني في رجب 1375هـ/فبراير 1956م، ثم نال درجة دكتوراه الدولة في العلوم القانونية من جامعة باريس في جمادى الآخرة 1379هـ/ديسمبر 1959م، ثم درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة باريس أيضا في 1383هـ/1963م، ودرجة “الأجريجاسيون” من الجامعات الفرنسية. 
ونظرا لهذا الكم الكبير من رسائل الدكتوراه التي حصل عليها حامد ربيع، فقد كانت الجامعات المصرية والعربية والعالمية تطمح في أن يقوم بالتدريس فيها؛ ولذا قام بالتدريس في عدة جامعات منها: جامعة القاهرة حيث كان أستاذ كرسي النظرية السياسية بها، وكذلك جامعة باريس، وجامعات دمشق والجزائر وبغداد والكويت والإمام محمد بن سعود الإسلامية، وجامعة ميتشيجان الأمريكية. 
وقد قام بإنشاء مركز الدراسات الإنمائية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وأشرف على إنشاء المعهد الدبلوماسي التابع لوزارة الخارجية المصرية، ثم انتقل إلى العمل بمركز البحوث العربية ببغداد، حيث أقام بالعراق ما يقرب من ثماني سنوات، قبل أن يعود إلى القاهرة. 

الدراسات الإسرائيلية والصهيونية

يعد حامد ربيع من رواد الدراسات الإسرائيلية والصهيونية، ومن أوائل من أدخلوا دراسة الصهيونية في الجامعات المصرية، حيث كان مهتما بدراسة إسرائيل وجذور ارتباطها بالفكر الصهيوني، والعلاقة بين الديمقراطية البرلمانية داخل إسرائيل وعنصرية الدولة من حيث التمييز بين العرب واليهود، وبين اليهود الشرقيين والغربيين، والقدرة التي تتميز بها إسرائيل في تصدير مشكلاتها الداخلية إلى محيطها الإقليمي، كذلك المزج الإسرائيلي بين الاشتراكية والرأسمالية، والمزج بين القومية والدينية، وبين العلمانية واليهودية. 
ورأى أن الكيان الصهيوني يمثل خطرا على الأمن القومي العربي، وأن الصراع بين العرب وإسرائيل هو صراع وجود وليس صراع حدود، ومن ثَم فلا مكان للحديث عن التعايش بين العرب وإسرائيل، ويرجع وجهة نظره إلى عدة مبادئ اعتبر أنها حاكمة لإدراك النخبة الإسرائيلية بغض النظر عن اتجاهاتها السياسية، أهمها أن السلام يعني من وجهة نظرهم توفير الحد الأدنى من الأمن للدولة العبرية، بما في ذلك حقها في استباق التطورات التي يمكن أن تشكل تهديدا على سلامتها. 
كما استطاع حامد ربيع بما توفر لديه من غزير العلم وصائب الرؤية أن يصل إلى حقيقة وأهداف المشاريع الغربية في المنطقة العربية في مداها الإستراتيجي، بل وبعض خطواتها التكتيكية، حيث نظر الرجل إلى الأهداف الغربية في المنطقة نظرة متكاملة، وكذلك نظر إلى الصراع العربي الإسرائيلي، وأدرك معها أن الخلاص من براثن هذه المشروعات لا يتم إلا بتقوية الذات وعدم الخضوع للهيمنة وأن تكون الدولة العربية دولة كفاحية تمتلك مشروعا وطنيا تتوافق عليه القوى السياسية والاجتماعية طواعية لتحقيق الأهداف الوطنية والقومية. 

الوجود السياسي.. وموقع الإسلام

كان حامد ربيع يؤكد أن الحضارة لا تنشأ من العدم، وكان الذي يشغله موقع الفكر الإسلامي من التراكمات الحضارية في العالم، حيث إن الخبرة الحضارية الإسلامية لم تكن مغلقة على نفسها، ولكنها ملكت قدرا من الانفتاح على الآخرين سواء في الشرق أو الغرب وتعاملت مع كافة الحضارات في العالم، ولم تقف أمامها موقف السلبية وإنما أوجدت قنوات من الاتصال معها، ومنطق الوجود يفرض أنه لا تعامل بدون تأثير وتأثر. 
وقد عرض حامد ربيع في مقدمة تحقيقه لكتاب “سلوك المالك في تدبير الممالك” لعدد من النماذج من الحضارات المختلفة من حيث دلالتها السياسية: 
ويذكر حامد ربيع في مقدمة تحقيقه ودراسته لكتاب “سلوك الممالك”، التي تعد من أطول المقدمات في تحقيق الكتب ويشبهها البعض بمقدمة ابن خلدون، من أنه عقب عودته بعد رحلته العلمية الكبيرة في الخارج واجه عقبات كئودًا من أجل إدخال الفكر الإسلامي إلى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية التي “يتألق فيها الفكر الكنسي الكهنوتي” -على حد تعبيره-، حيث انتقد البعض الذي يرفض العودة إلى جذورنا في الانتماء بقوله: “إن جهالة القرن العشرين التي يتصدرها ويحمل لواءها مدّعو الثقافة العلمية تأبى علينا أن نعود إلى تقاليدنا وتراثنا”، ثم يقول: “ولكنني أشعلها حربا بلا هوادة. سوف أحمل هذا الصليب وأسير به نحو قمة الجبل، لأنني واثق أن أمتنا لن تقف على قدميها إن لم تعد إلى تعاليم آبائنا تنهل منها رحيق القيم وقصة البطولة وعظمة الإنسانية المسلمة”، ثم يقول: “فهل يستطيع أولئك الذين على عاتقهم هذا الواجب أن يخرجوا سيوفهم وأن ينضموا إلى جيش التحرير الفكري؟”. 

هموم ومؤلفات

كانت مشاغل حامد ربيع ومسئولياته كثيرة للغاية، ولكن ذلك لم يعقه عن التأليف والتصنيف، وتعددت مساهماته الفكرية والثقافية، وشملت مؤلفاته قائمة كبيرة من العناوين في مجالات: الدراسات العربية، والدراسات الإسرائيلية، والدعاية والحرب النفسية، ومن مؤلفاته: “الثقافة العربية بين الغزو الصهيوني وإرادة التكامل القومي”، و”نحو ثورة القرن الواحد والعشرين: الإسلام والقوى الدولية”، و”التجديد الفكري للتراث الإسلامي وعملية إحياء الوعي القومي”، و”نظرية الأمن القومي العربي: والتطور المعاصر للتعامل الدولي في منطقة الشرق الأوسط”، و”إطار الحركة السياسية في المجتمع الإسرائيلي”، و”مصر تدخل عصر النفايات النووية”، و”اتفاقية كامب ديفيد: قصة حوار بين الثعلب والذئب”، و”التعاون العربي والسياسة البترولية المعاصرة”، كما قام بتحقيق كتاب “سلوك المالك في تدبير الممالك” لابن أبي الربيع، ووصف هذا الكتاب بأنه: “وثيقة ليست فلسفية سياسية وليست علما، ولكنها تحليل للإدراك السياسي الجماعي الذي قاد الحضارة الإسلامية خلال النصف الثاني من القرن الثالث الهجري”. 
وقد كتب سلسلة من المقالات في مجلة الموقف العربي تحت عنوان “أمتي والعالم”، و”سوف أظل عربيا”، و”العرب في قلب العاصفة”، وتم تجميع هذه المقالات في عدد من الكتب، منها: “مصر والحرب القادمة”، و”الاستعمار والصهيونية وجمع المعلومات عن مصر”، و”الرجولية السلوكية في تقاليدنا العربية: سوف أظل عربيا”، و”كيف تفكر إسرائيل؟”، و”إدارة الصراع العربي الإسرائيلي”. 

الوفاة الغامضة

توفي حامد ربيع في القاهرة في 8 من صفر 1410هـ الموافق 10 من سبتمبر 1989م وهو يهم بكتابة مقاله الحادي عشر في سلسلة مقالاته “مصر والحرب القادمة”، حيث جاءت وفاته في ظروف غامضة، وقد تحدث البعض عن وجود شبهة في وفاته، نظرا للظروف الغامضة التي لابست الوفاة، ولكن لا يوجد أي دليل ينفي أو يثبت ملابسات وفاة هذا المفكر والعالم الكبير، فهي من الأسرار التي دفنت بوفاة صاحبها. 

السابقة Prev1 صفحات 2
افتح الصفحة التالية للمزيد....

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*